علي بن محمد التركه
634
شرح فصوص الحكم
الجزئيّات المتفرّعة عنه ، فإنّ رتبة الجزئيّات المتفرّعة إنما هو التأخير ، فلا بدّ من تأخير سليمان . فلو قدّم على الاسمين يكون على غير الترتيب . فقوله : ( هذا عكس الحقائق ، تقديم من يستحقّ التأخير ، وتأخير من يستحقّ التقديم في المواضع « 1 » الذي يستحقّه ) إشارة إليه . [ بلقيس كانت عالمة حكيمة ] ثم أشار إلى وجه نسبة بلقيس إلى سليمان ، والرابطة القاضية بينهما بهذه المراسلة وما يتبعها من الهداية والاهتداء ، بما في بلقيس من تدبير سياسة الملك وتأسيس بنيان السلطنة وإرهاص أمرها بقوله : ( ومن حكمة بلقيس وعلوّ علمها كونها لم تذكر من ألقى إليها الكتاب . وما عملت ذلك إلَّا ليعلم أصحابها أنّ لها إيصالات إلى [ ألف / 294 ] أمور لا يعلمون طريقها وهذا من التدبير الإلهي في الملك . لأنّه إذا جهل طريق الأخبار الواصل للملك خاف أهل الدولة على أنفسهم في تصرّفاتهم ، فلا يتصرّفون إلا في أمر إذا وصل إلى سلطانهم عنهم يأمنون غائلة ذلك التصرّف . فلو تعيّن لهم « على يدي من تصل الأخبار إلى ملكهم » لصانعوه وأعظموا له الرشا ، حتى يفعلوا ما يريدون ولا يصل ذلك إلى ملكهم . فكان قولها : * ( أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ ) * [ 27 / 29 ] ولم تسمّ من ألقاه - سياسة منها ، أورثت الحذر منها في أهل مملكتها وخواصّ مدبّريها . وبهذا ) الوجه من المناسبة التي بينها وبين سليمان ( استحقّت التقدم عليهم ) والاختصاص بالمكاتبة إليها . هذه حكمة بلقيس التي هي عالمة الجنّ « 2 » .
--> « 1 » عفيفي : الموضع . « 2 » حكي في التفاسير أن أم بلقيس كانت جنية راجع مجمع البيان : 7 / 224 ، سورة النمل / 45 . الدر المنثور : 7 / 363 ، عن مجاهد . وقال ابن العربي ( الفتوحات : 2 / 495 ، الباب 209 ) : « وهذا القول [ كأنه هو ] الذي صدر منها يدل عندي أنها لم يكن كما قيل متولدة بين الإنس والجان ، إذ لو كانت كذلك لما بعد عليها مثل هذا من حيث علمها بأبيها وما تجده في نفسها من القوة على ذلك حيث كانت أبوها من الجان على ما قيل . . . » .